عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
487
اللباب في علوم الكتاب
خطابا مع اليهود ، [ وحينئذ يكون قوله : « هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ » حكاية عن اليهود ] « 1 » ، والمعنى : أنهم لا يقبلون دينك حتى يأتيهم اللّه في ظلل من الغمام ، وذلك لأنهم فعلوا مع موسى عليه الصلاة والسلام مثل ذلك ، فقالوا : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [ البقرة : 55 ] . وإذا كان هذا حكاية عن اليهود ، لم يمتنع إجراء الآية على ظاهرها ؛ لأن اليهود كانوا مشبّهة ، وكانوا يجوّزون على اللّه تعالى المجيء والذّهاب ، وكانوا يقولون : إنّه تعالى تجلّى لموسى - عليه السلام - على الطّور في ظلل من الغمام ، وطلبوا مثل ذلك في زمن محمد - عليه السلام - وعلى هذا فيكون الكلام حكاية عن معتقد اليهود القائلين بالتشبيه ، فلا يحتاج حينئذ إلى تأويل ، ولا إلى حمل اللفظ على المجاز . وبالجملة فالآية الكريمة تدلّ على أنّ قوما ينتظرون أن يأتيهم اللّه ، وليس في الآية دلالة على أنهم محقّون في ذلك الانتظار ، أو مبطلون ؛ فزال ذلك الإشكال . فإن قيل : فعلى هذا التّأويل ، كيف يتعلق قوله تعالى : « وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ » ؟ قلنا : الوجه فيه أنّه تعالى لمّا حكى عنادهم ، وتوقفهم في قبول الدّين على هذا الشرط الفاسد ، ذكر بعده ما يجري مجرى التهديد ، فقال : « وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ » . قال ابن تيميّة : وهذا من أعظم الافتراء على اللّه ، وعلى كتابه ؛ حيث جعل خطاب اللّه مع المؤمنين خطابا مع اليهود وهو قوله : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ » أنّ ذلك خطابا مع اليهود ، مع أنّ اللّه تعالى دائما يفصل في كتابه بين الخطابين ، فيقول للمؤمنين : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » * ، ويقول لأولئك : « يا بَنِي إِسْرائِيلَ » * ، و « يا أَهْلَ الْكِتابِ » * ، فكيف يجعل خطاب المؤمنين الصريح خطابا لليهود فقط ؟ وهذا من أعظم تبديل للقرآن . وأيضا فقوله بعد ذلك : « فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ » لا يقال : إن زللتم لمن هم مقيمون على الكفر والضلال . وأما قوله في قوله تعالى : « هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ » أنه من اعتقاد اليهود الفاسد ، لا من كلام اللّه تعالى الذي توعّد به عباده ، فهذا افتراء على اللّه ، وكذب على اليهود ، وأيضا فإنه لم ينقل أحد عنهم أنهم كانوا ينتظرون في زمن محمد - عليه السلام - أن يأتيهم اللّه في ظلل من الغمام . وقد ذكر المفسرون وأهل السّير والمغازي في مخاطبات اليهود الذين كانوا بالحجاز للنبي صلى اللّه عليه وسلم مع كثرة من كان من اليهود بالحجاز ، وكثرة ما نزل بسببهم من القرآن ، وكذلك ما نقل عنهم أنّهم كانوا يقولون : إنّ اللّه تجلّى ل « موسى » على الطّور في ظلل من الغمام وهو أمر لم يذكره اللّه تعالى عنهم على هذا الوجه ، فإن كان هذا حقّا عنهم ، وكانوا
--> ( 1 ) سقط في ب .